منتدى الأستاذ / منصور الأغبري

عزيزتي الزائرة / عزيزي الزائر : يرجي التكرم بتسجبل الدخول إذا كنت عضوا معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضوا وترغب في الانضمام إلي أسرة المنتدى
وسنتشرف بتسجيلك
شكرا
إدارة المنتدى


منتدى ثقافي تعليمي من اليمن إلى كل ناطق بالعربية في العالم
 
البوابةالرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التصور و التصديق في أسلوب الاستفهام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
منصور سليمان
Admin
avatar

عدد المساهمات : 421
تاريخ التسجيل : 07/03/2009
الموقع : اليمن - تعز

مُساهمةموضوع: التصور و التصديق في أسلوب الاستفهام   الثلاثاء 18 ديسمبر 2012, 10:03 pm

التصور و التصديق في أسلوب الاستفهام

أدوات الاستفهام ثلاثة أقسام :
القسم الأول : ما يُسْتَفْهَمُ به عن التصوُّر والتصديق، وهو "همزة الاستفهام" فقط، وهو حرفٌ لا يكون له محلُّ من الإِعراب في الجملة.
القسم الثاني : ما يُستَفْهَمُ به عن التصديق فقد وهو لفظ "هَلْ" وهو حرفٌ أيضًا، لا يكونُ له محلُّ من الإِعراب في الجملة   .
القسم الثالث : ما يُسْتَفهَمُ به عن التَّصَوُّر فقط، وهي سائر أدوات الاستفهام، وهذه جميعُها أسماء، وهي: "مَا - مَنْ - أَيُّ - كَمْ - كَيْفَ - أَيْنَ - أَنَّى - مَتَى – أَيَّانَ " .
التّصوّر :
هو إدْراكُ المفرد، ويُطْلَبُ بالاستفهام عن التصّور إدْراكُ المسند إليه، أو إدْراكُ المسند، لتعيينه، ويكونُ الجوابُ بتعيينِ المسؤول عنه، مُسْندًا كان أو مُسندًا إليه. مثل :
* أضَرَبَ خالدٌ أَمْ أكل؟ والجواب : ضرب - أو – أَكل .
* أضُرِبَ زَيْدٌ أم عَمْروٌ؟ والجواب : عَمْرو - أو – زَيْدٌ .
* متى يُفْطِرُ الصّائم؟ والجواب : إذا غربتِ الشمس .
التصديق: هو إدْراك النسبة الحكميّة بين المسند والْمُسْنَد إليه، موجبةً كانت أو سالبة .
مثل :
* هل بُعِثَ خَاتم المرسلين؟ والجواب : نعم، بُعِث .
* هل ظهر المسيح الدجال ؟ والجواب : لا ، لم يظهر بَعْدُ .
ولكلّ أداة من أدوات الاستفهام صفاتٌ وخصائص، وفيما يلي بيان ذلك إن شاء الله .
خروج الاستفهام عن أصل دلالته إلى معنى أخرى :
كثيرًا ما يخرج الاستفهام عن إرادة طلب الإِفْهامِ والإِعلام إلى معانٍ أخرى أشار إليها به، ويُسْتَدَلُّ علَيْهَا مِنْ قرائِنِ الحال أو قرائن المقال، إذْ يَسْتَغْنِي الْبُلَغاء بعبارات الاستفهام عن ذكر الألفاظ الدّالة دلالةً صَريحةً على مَا يُريدون التَّعْبيرَ عَنْهُ منَ المعَاني، وبلاغةُ الدّلالة على هذه المعاني بأسْلُوبِ الاسْتفهام آتيةٌ من التعبير عنها بصورة غير مباشرة وهيَ دلالاتٌ تُتَصيَّدُ بالذكاء.
قال شمس الدين ابن الصائغ في كتابه "روض الأفْهام في أقسام استفهام": "وقد توسعت العرب، فأخرجت الاستفهام عن حقيقته لمعانٍ، أو أشربته تلك المعاني".
وقد أحصى البلاغيّون معاني كثيرة خرج إليه الاستفهام عن حقيقته، إذْ تَنَبَّهُوا إليها لدى دراسة مُخْتَلِف النصوص، وهي ما يلي:
"1- الإِنكار 2- التوبيخ 3- التقرير 4- التعجّب أو التعجيب 5- العتاب 6- التذكير 7- الافتخار 8- التفخيم والتعظيم 9- التهويل والتخويف 10- التسهيل والتخفيف 11- التهديد والوعيد 12- التكثير 13- التسوية 14- الأمر 15- التنبيه 16- الترغيب 17- النهي 18- الدعاء 19- الاسترشاد 20- التَّمنّي والترجّي 21- الاستبطاء 22- العرض 23- التحضيض 24- التجاهل 25- التحقير والاستهانة 26- المدح والذّم 27- الاكتفاء 28- الاستبعاد 29- الإِيناس 30- التهكّم والسخرية 31- الإِخبار 32- التأكيد" إلى غير ذلك من معادنٍ .
أقول: من طبيعة الإِنسان إذا لم يُرِد التصريح بالمعنى الذي يَقْصِده، فإنّه يتّخذ للإِشعار به أسلوبًا غير مباشر .
ومن الأساليب الذكيّة غير المباشرة أن يحاول جعل المخاطَب هو الذي يعبّر بنفسه عن المعنى، أو يُدْرِكُه بنفسه ولو لم يُعبِّر عنه بكلامه. والطريق السهل للوصول إلى هذه الغاية، أن يطرح على المخاطب جملةً استفهاميَّةً موجّهةً توجيهًا خاصًّا، إذ يحيطها بقرائن تجعله يدرك المعنى بنفسه، سواء عبّر عنه بالجواب أو لم يُعَبِّر.
ولمّا كانت المعاني التي يمكن الإِشارة إليها من طرفٍ خفيّ كثيرة جدًّا، ويُمْكنُ استدعاؤها إلى الذهن عن طريق طرح السُّؤال الذي لا يُصَرَّحُ فيه بالمراد، كان من الأمر الطبيعيّ في الكلام أن يُصَاغ فيه جُمَلٌ استفهاميّة محفوفةٌ بقرائن الحال أو المقال، بغيَةَ استدراج المخاطَب لإدراكها، وقد يُصَرِّح في جوابه بما أدرك من معنى، أو يكتفي بإدراك المراد، ويعلم أن السؤال قد طُرِح لمجرّد إفهامه الغرض من السؤال.
والمحققون من علماء البلاغة يَرَوْنَ أَنَّ معنى الاستفهام يبقَى ولكن ينضم إيه ما يُستفاد منه من المعاني التي يُدَلُّ بِه عليها.
شرح بعض المعاني التي يُدَلُّ عليها بالاستفهام مع الأمثلة :
(1) شرح الاستفهام المستَعْمَل في الإِنْكار :
ويُسَمَّى استفهامًا إنكاريًّا، ويُرادُ منه النفي، مع الإِنكار على المثْبِتِ كَيْفَ أَثْبَتَ مَا هو ظاهر النفي، وكانَ الواجبُ عليه أن يَنْفِي، أو مع الإِنكار على المخاطب قضيَّته، وهي باطلةٌ في تصوُّرِ مُوجِّه الاستفهام.
وقد يأتي بعدُه الاستثناء كما يأتي بعد المنفي بأداةٍ من أدوات النفي، وقد يعطفُ عليه المنفي. وكثيرًا ما يصحبُه التكذيب، وهو في الماضي بمعنى "ما كان" وفي المستقبل بمعنى "لا يكون" وقد يُشْرَبُ الإِنكار معنى التوبيخ والتقريع.
أمثلة:
* قول الله -عزّ وجلّ-:
{بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ}.
أي: لاَ يُهْلَكُ إِهلاكًا عامًّا شاملًا بعقوبةٍ دُنيويَّةٍ معجَّلةٍ إلاَّ الْقَوْمُ الفاسِقُون، من مستوى فسق الظلم الكبير فلا يكونون فاسقين إلاَّ وهُمْ ظالمون، وكذلك العكس، ولذلك جاء في الأنعام:
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ}.
* وقول الله -عزّ وجلّ- حكايةً لمقالة نوحٍ -عليه السلام- له:
{قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ}.
أي: لاَ يكونُ منّا إيمانٌ بكَ وَإِسْلامٌ لَكَ والحالُ أنَّه اتَّبَعك الأَرْذَلُون.
* وقول الله -عزّ وجلّ- حكاية المقالة ثمود بشأن الرسول صالح -عليه السلام-:
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}. أي: لا نَتَّبِع بشرًا منَّا واحدًا لمجرّد ادّعائه أنّه رسولٌ من ربّه، إنَّنا إذا اتّبعناه كُنَّا إذًا في ظلالٍ في مسيرتنا وجنونٍ في عقولنا.
* وقول الله -عزّ وجلّ-:
{فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}.
أي: لاَ أحد يحكم بالهداية لِمَنْ حَكَم الله عليهم بالضّلال، ومَا لهم من ناصرين ينصرونهم فيدفَعُون عنْهُمْ عذَابَ الله.
فجاء في هذه الآية عطف الجملة المنفيّة على الاستفهام الإِنكاري، إذ معناه النفيُ.
* وقول الله -عزّ وجلّ-:
{أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا}.
أي: أفَآثَرَكم رَبُّكُمْ بِالبنين على نفسه...؟ والمعنى: ما فَعَلَ ذلك ولم يتّخذ من الملائكة إناثًا لنفسه.
* وقولُ الله -عزّ وجلّ- حكايةً لمقالة هود -عليه السلام- لقومه:
{قَالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}.
أي: لاَ نجْبرُكُمْ بِالإِكْرَاهِ على اتِّباعِ مَا جئتُكُمْ به، فاتّباع الدين لا يكن إلاَّ بإرادةٍ اختياريّة، إذْ لا إكْرَاهَ في الدين.
* وقول امرىء القيس:
أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَاب أغْوَال؟
(2) شرح الاستفهام المستعمل في التوبيخ والتقريع:
ويسمَّى استفهامًا توبيخيًّا، أو تقريعيًّا. التقريع: توجيه اللّوم والعتاب الشديد الموجع، وأصْلُ الْقَرْعِ الضَّرْبُ.
والاستفهام التوبيخي قد يُوجَّهُ للتوبيخ على فعل شيءٍ غير حَسَنٍ في نظر موجّه الاستفهام، أو تركِ فعْلٍ كانَ ينبغي القيامُ به في نظر موجّه الاستفهام.
أمثلة:
* قول موسى لأخيه هارون بشأن اتّخاذ قومه العجل، فيما حكاه الله -عزّ وجلّ-:
{قَالَ ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}.
فَمُوسَى -عليه السلام- يلوم أخاه بشدَّةٍ على أمْرٍ ظَنَّ أنَّهُ ارتكَبَهُ، وَهُو معصيةُ أَمْرِه، لكنَّ هارُونَ -عليه السلام- اجْتَهَد وَلَمْ يَعْصِ، والمعنى: مَا مَنَعَكَ عَنِ اتَباعي وحَمَلَكَ على ألاَّ تتَّبِعَني.
* وقول إبراهيم -عليه السلام- لقومه بشأن أصنامهم التي يعبدونها، فيما حكاه الله -عزّ وجلّ-:
{قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.
فإبراهيم -عليه السلام- يوبّخهم على أنّهم يَعْبُدون أوثانًا ينحتونها بأيديهم، والله خلقهم وخلق أوثانهم التي يعبدونها، وهو الذي يجب أن تكون العبادة له وحده.
* وقول الله -عزّ وجلّ- خطابًا لبني إسرائيل:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
الشاهد في الآية قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} وفي: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} معنى التعجيب منْ فعلهم.
* قول الله -عزّ وجلّ-:
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا}. فالملائكة تُوبِّخُهُمْ وَتُقَرِّعُهُمْ لأنّهم لم يُهَاجروا من الأرضِ الّتي كانوا مستضعفين فيها، ورَضُوا بأن يكونوا ظالمي أنفسهم طاعةً للجبَّارين، من أنّ أرض الله واسعة، وكان بإمكانهم أن يهاجروا إلى أماكن لا يُكْرَهُونَ فيها على مَعْصِية الله.
* قول العجّاج:
أَطَرَيًا وَأَنْتَ قَيْسَرِيُّ والدَّهْرُ بِالإِنْسانِ دَوَّارِيُّ؟
الْقَيْسَرِيُّ: الشيخ الكبير، أي: أتطربُ وأنت شيخ كبير؟ ويُرْوى "قِنَّسْريُّ" كما في اللّسان. وهو الشيخ الكبير أيضًا.

(3) شرح الاستفهام المستعمل في التقرير:
ويُسمَّى استفهامًا تقريريًّا، والمرادُ منه حَمْلُ المخاطَب على الإِقْرار والاعتراف بأمْرٍ قد استقرّ عنده العلْمُ به، أو هو أمْرٌ باستطاعته معرفته حِسِّيًّا أو فكْرِيًّا، موجبًا كان أو سالبًا.
فمن ادَّعَى أنَّكَ جئْتَه وأنْتَ لم تأته، قد توجّه له استفهامًا تقريريًّا قائلًا: هَلْ أَنَا جئتك؟ ومتَى جئتُك؟ وَمَاذَا كَانَ حين الْتَقَيْتُكَ، لتنزعَ منْه الإِقرارَ والاعْتِرافَ بأنَّك لم تَأْتِهِ.
ومن بَدا عليه أماراتُ إنكارِ أمْرٍ وقع، قَدْ توجِّه له استفهامًا تقريريًا، قائلًا: أَلَمْ يحدُثْ كذا؟ أَلَمْ أفعلْ كذا؟ ألَمْ يكُنْ منْكَ كذا وكذا؟ لِتَنْتَزعَ منه الإِقرار الاعتراف بالأمر الذي قد حدث ووقع فعلًا.
أمثلة:
* قول الله -عزّ وجلّ- لرسوله -صلى الله عليه وسلم-:
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.
* وقول الله له -صلى الله عليه وسلم-:
{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَآلًا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَى}.
* وقول الله للمكذّبين بيوم الدّين:
{أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}.
* وقول إبراهيم -عليه السلام- لمشركي قومه بشأن أوثانِهِم لانتزاع إقراراهم، فيما حكاه الله -عزّ وجلّ-:
{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}.
فإذا لم يُقِرُّوا بألسنتهم بأنّ أوثانهم لا تَسْمَعُهم، فإنهم لا بُدَّ أنْ يُقِرُّوا بذلك في قلوبهم.
* قول الله -عزّ وجلّ-:
{وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لذي حِجْرٍ}.
الظاهر من الاستفهام في هذا النصّ أنّ الغرض منه انتزاع إقرار ذوي الفكر والعلم والعقل بأن القسم بهذهِ الأشياء قسمٌ عظيم يثبت صدق وعيد الله، وأنّه بالمرصاد للمجرمين المفسدين في الأرض.
* وقول -عزّ وجلّ-:
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.
* وقول الله -عزّ وجلّ-:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ}.
فَمِنَ الظَّاهر في هذِهِ الأمْثلة أنّ الاستفهام فيها مُسْتَعْمَلٌ لاستِدعاء المخاطب إلى الإِقْرار بقضيَّةٍ مُوجَبَةٍ أو سالبة جرى حولها الاستفهام.
فالجواب المستدْعَى في أمْثلة: {ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكْ}، {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}، {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}، {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}، {أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ}. هو: {بَلَى} وَكلمة الجواب هذه تدلُّ على نقيض المستَفْهَمِ عنه، أي: شَرَحْتَ صدْرِي - وَجَدني يتميًا فآوى - خَلَقْتَنَا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ - اللهُ كافٍ عَبْدِهُ - أنْتَ رَبُّنا.
والجوابُ المستدعى في مثال: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} هو: "لا" إذ الأوْثانُ المعنيَّةُ في الاسْتفهام لا تَسْمَعُ ولاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ.
والجوار المستدعى في مثال: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لذي حِجْرٍ} هو: "نعم" أي: من تفكَّر بعقلٍ حصيفٍ في هذهِ الأشياء التي أقْسَمَ الله بها وَجَدها مؤكِّدة حقًّا لمضمون الْمُقْسَمِ عليه، وذلك لأنَّ الأزمان الّتي أقْسَمَ الله بها هي أزمان إهْلاك الله الأُمَمَ السَّابقة، وظاهرٌ أنَّ القَسَمَ بأزمَانٍ خاصة هو قَسَمٌ بالأَحْدَاثِ العظيمة التي جرتْ فيها، وهذه الأحداث أدلّةٌ تجريبيّةٌ ماضية تؤكد صدق الخبر بحدوث أشباهها مستقبلًا عند وجود المقتضيات المماثلات للمتقضيات التي حدثت بسببها الأحداث الماضية، لأنّ سنة الله القائمة على حكمته سنة دائمة، لا تتغيّر ولا تتبدّل.

(4) شرح الاستفهام المستعمل في التعجُّب أو التعجيب       :
ويُسَمَّى اسْتِفْهَامًا تَعْجُبيًّا حين يَكونُ صَادِرًا مِنْ متعجِّبٍ فعلًا، ويُسَمَّى اسْتِفْهَامًا تَعْجِيبيًّا حينَ يكونُ الغرض من إيراده إثارَةَ الْعَجَب عنْد مَنْ يخاطَبُ بهِ أو يتلقَّاهُ، منه ما يكون صادرًا عن الله -عزّ وجلّ- إذْ ليْسَ صفاتِهِ سبحانه أن يتعجَّب تَعَجُّبَ استِغْرابٍ واستبعاد، نظرًا إلى سابقٍ علمه تعالى بكلّ ما يحدُثُ منْ عباده قبْلَ حدوثه، وعِلْمِهِ بخلقِه وَصفاتِهِمْ وخصائصهم النّفسية والسلوكيّة.
وما ورد في بعض الأحاديث النبويّة منْ نسبة العجب إلَى الله -عزّ وجلّ- فهو بمعنى الاستحسان المقتضي للرّضى والمثوبة.
أمثلة:
* قول الله -عزّ وجلّ-:
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
الاستفهام في هذه الآية استِفْهَامٌ تَعْجيبيٌّ، فيه معنَى التَّوْبيخِ والتْلويم والتَّأْنِيب والتَّقْريع، فَالْمَعْنَى: أَنَّ كُفْرَكُمْ باللهِ مَعَ كَوْنِكُمْ كُنْتُمْ أَمْواتًا فأحْيَاكُمْ ولم تُحْيُوا أنتم أنْفُسَكُمْ، أمْرٌ ينْبَغِي أن تَعْجبُوا منه قبل غيركم، وأمْرٌ يتعجّبُ منه كلُّ العقلاء من أهل الرشد. فحالُكم يثير التعجُّب والاستغراب، كيف يصْدُرُ من ذوي عقول وأفكار؟!
* قول الله -عزّ وجلّ- خطابًا لعلماء بني إسرائيل:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
فالاستفهامُ في: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} الذي يخاطب اللهُ به علماء بني إسرائيل استفهامٌ فيه معنى التَّعْجيب مِنْ حالِهِمْ مع التوبيخ والتَّلْويم والتقريع، إذْ يأمُرونَ الناسَ منْ عَامَّةِ بني إِسرائيل بالبرّ -(أي: بالتَّوَسُّعِ في أعْمالِ الخير فوْقَ الواجبات- وأنْ يتركوا مَعَ ذَلك أنْفُسَهم، فلا يؤدّوا ما فرض الله عليهم وأَخَذَ عليهم به الْعَهْدَ من الإِيمان بالرسول الخاتم واتّباعه، وهم يتلون كتاب التوراة، وفيه تكليفهم أنْ يؤمنوا بالرَّسول النبيِّ الأُمّيِّ الّذي يأْمُرُهُمْ بالْمَعْرُوف ويَنْهَاهم عن المنكر، ويُحِلُّ لهم الطَّيباتِ ويُحَرِّمُ عليْهِمُ الخبائث، ويَضْعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُم والأَغَلاَلَ الَّتِي كانت عليهم.
* قول الله -عزّ وجلّ- في حكايةِ تفقُّدِ سُليمانَ -عليه السلام- الطَّيْرَ واسْتِفهامه عن الْهُدْهُد إذْ لم يَرَهُ بينها:
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ}.
فالاستفهامُ في: {مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ} اسْتِفْهَامٌ تَعَجُّبِيٌّ، إذْ تعجَّب سليمانُ -عليه السلام- مِنْ عدم رؤية الْهُدْهُدَ مع أَنواع الطَّيْرِ وليْسَ من عادته أن يتخلَّف.
* وقول الشاعر:
مَالِي أَرَاكُمْ تُنْكِرُون مَكَانَتِي؟! الشَّمْسُ لاَ تَخْفَى معَ الإشرَاقِ
* قول أبي تمَّام:
مَا لِلْخُطُوبِ طَغَتْ عَلَيَّ كَأَنَّهَا جَهِلَتْ بِأَنَّ نَدَاكَ بالْمِرْصَادِ؟!
الْخُطُوب: مُفْرَدُهَا "خَطْبٌ" وهو الأَمْرُ الشّديد الذي يكثُر فيه التخاطب.
فأبو تمَّام يُبْدِي عجَبَهُ منْ طُغْيانِ الشدائدِ عليه مع أنَّ ممدوحه قائم بالمرصاد لها يدفعها عنه بنداه، أي: بعطاياه.
* قول المتنبّي في سيف الدولة وهو يعودُه منْ دُمَّلٍ كَانَ فيه:
وَكَيْفَ تُعِلُّكَ الدُّنْيَا بِشَيءٍ وأَنْتَ لِعِلَّةِ الدُّنْيَا طَبِيبُ؟!
وَكَيْفَ تَنُوبُكَ الشَّكْوَى بِدَاءٍ وَأَنْتَ الْمُسْتَغَاثُ لِمَا يَنُوبُ؟!
أي: إنّ هذا لأمْرٌ يستَحِقُّ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُ.
* قولُ إحْدى نِسَاءِ الْعَرب تَشْكُو ابْنَها وتُظْهر التعجُّبَ مِنْ عَمَله:
أَنْشَا يُمَزِّقُ أَثْوابِي يُؤَدِّبُني أَبَعْدَ شَيْبِيَ يَبْغِي عِنْدِيَ الأدَبَا؟!
أي: إنّ تأديبَ مَنْ شاب من العجَبِ الْعُجَاب.
(5) شرح الاستفهام المستعمل في العتاب :
العتاب: أخفّ أنواع إظْهارِ عدم الارتياح لسلوكٍ ما، فعلًا كان أو تركًا، وقد يُسْتَخْدَمُ لدلالة عليه أسلوبُ الاستفهام للتخفيف من توجيهه، والتَّلَطُّفِ بنفس الموجَه له.
أمثلة:
* قول الله -عزّ وجلّ-:
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}.
{أَلَمْ يَأْنِ}: أي: أَلَمْ يَحِنِ الْوَقْتُ؟ يُقَالُ لُغةً: أَنَى يَأْنِي أَنْيًا وَإِنىّ وأَنَاةً، إذا حَانَ وَقَرْبَ.
الاستفهام في هذا النصِّ يتضَمَّن عِتَابًا لطائفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنينَ مرَّتْ عَلَيْهِمْ بعد إيمانهم مُدَّةٌ كافيةٌ، كَانَ يَنْبَغي أن يَرتَقُوا فيها من دَرَجَةِ إيمانِ الْوَجِلِ إلى دَرَجَةِ إيمانِ الخاشع.
الوجَلُ: هو الخوف، والخوفُ يرافقُه قلَقٌ واضطرابٌ في القلب.
الخشوع: هو الخضوع مع سُكُونِ القلب، وهو درجةٌ في الإِيمان أعلَى من درجةَ الوجَلِ.
وفوقهما درجة الطَّمَأْنينة.
أخرج الحاكم بسنده عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "ما كان بين إسلام هؤلاَءِ وبين أن عُوتِبُوا بهَذِهِ الآية إلاَّ أرْبَعُ سِنين".
* قول الله -عزّ وجلّ- خطابًا لرسوله محمّد -صلى الله عليه وسلم- بشأْنِ إِذْنِهِ لطائفةٍ من المنافقين عن الخروج معه إلى غزوة تبوك:
{عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}.
فقول الله له: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} من ألْطَفِ صُوَرِ العتاب.
* قول الحطيئة معاتبًا:
أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِي وبَيْنكُمُ الْمَوَدَّةُ والإِخَاءُ؟
* ويُفْهَمُ العتابُ من قول الشريف المرتضَى لِمَنْ يَهْجُره:
أَتَبِيتُ رَيَّان الْجُفُونِ مِنَ الْكَرَى وَأبِيتَ مِنْكَ بِلَيْلَةِ الْمَلْسُوعِ


أيضا : هذا بحث إضافي في ملف pdf مضغوط مكون من 14 صفحة

التحميل

http://www.gulfup.com/?vHtMGJ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mansour55.ahlamontada.net
 
التصور و التصديق في أسلوب الاستفهام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأستاذ / منصور الأغبري  :: دين ولغة :: لغة وأدب :: بلاغة-
انتقل الى: